Back to Articles
الاستغناء بالقرآن
Reminder
العربية
Featured

الاستغناء بالقرآن

إنّ أوّل ما نستفتح به في مقالاتنا التي نُدوِّن في هذا المحراب المبارك إن شاء الله هو التحدُّث عن أهمِّيّة الوحي، ومكانته في حياة الأمّة، كيف لا وهو ما ابتدأ به ذو النّعمة في تَعدادها في سورة النعم – سورة النحل –

الحمد لله الذي أسبغ نعمه على العباد، جلّت عن الإحصاء والتَّعداد، رحم عبادَه بإنزال الكتب، وإرسال الرُّسل؛ لتحيى القلوب، ولتسعد حياتهم الفانية والسَّرمديّة، وختم رسالاته برسالة خير البريّة، وأكمل كتبَه بالقرآن، وقد أعجز بنظمه ومعانيه الإنس والجان، فلم يقدروا على أن يأتوا بمثل أقصر سورة منه، وجعله مهيمنًا على الكتب السّالفة، وحفظه من الكذبات والتحريفات، سبحان من أسدى لعباده هذه النعم الجليلة السابغات.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أنّ سيِّدنا محمّدًا عبد الله ورسوله، فتح الله به قلوبًا غُلفًا، وأعينًا عميًا، وآذانًا صُمًّا، حتى تقرَّرت به معالم الحقّ، واتّضحت به الكليّات، وانطمست به الظّلمات، فأشرقت للبشريّة شمس المعرفة، وانجلت به حنادس الشرك والجهالة.

وصلِّ اللهمّ وسلِّم عليه وآله الطيِّبين الطاهرين، وصحابته العدول الناصرين لدينه في كلِّ حين وأوان.

أمّا بعدُ: فإنّ أوّل ما نستفتح به في مقالاتنا التي نُدوِّن في هذا المحراب المبارك إن شاء الله هو التحدُّث عن أهمِّيّة الوحي، ومكانته في حياة الأمّة، كيف لا وهو ما ابتدأ به ذو النّعمة في تَعدادها في سورة النعم – سورة النحل – فقال تعالى: {يُنزِّل الملائكة بالرُّوح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنّه لا إله إلا أنا فاتّقون}، ثمّ تابعها النعم الدنيويّة، وهذا التقديم يوحي إلى كِبَر نعمة الوحي، وتظهر من الآية مع وجازتها وقلّة كلماتها جزالةُ بلاغة القرآن، وعظم معانيه، حيث ذُكِر فيها جميع أركان الإيمان:

  • الإيمان بالله تعالى؛ إذ هو المُنزِّل، والمُوَحَّدُ في ألوهيّته.
  • الإيمان بالرُّسل؛ حيث يختار من بين عباده من يُكرمه بالرِّسالة.
  • الإيمان بالملائكة، وهذا ظاهر في الآية.
  • الإيمان بالكتب، وهو الرُّوح المذكور في الآية، وقد جاء في التفسير المأثور بأنّه القرآن، والوحي.
  • الإيمان بالقضاء والقدر؛ إذ المشيئة من مسائل القدر.

ويلوح من الآية أيضًا ذكرُ الإيمان باليوم الآخر؛ لأنّ النّذارة المذكورة فيها تشير إلى مجازاة العباد في مضمون الرِّسالة.

فسبحان من جعل القرآن شفاءً ومَغْنَى وموعظة وهدى لمن حباه التوفيق والسَّعادة، {يا أيُّها الناس قد جاءتكم موعظة من ربِّكم وشفاء لما في الصدور وهدى وموعظة للمؤمنين}.

فهو شفاء لما في الصدور من مرض الجهل والغيّ، وقد برَّأ اللهُ تعالى نبيَّه من هذين الداءين، فقال: {ما ضلّ صاحبُكم وما غوى}.

وفي إثر آية (يونس) أمرنا ربُّنا بأن نفرح بهذه النعمة العظيمة، والعطيّة الجليلة، والهبة الجزيلة، فقال تعالى: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون}.

رُوِي عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه وغيره من طرق أنّ فضل الله القرآن، ورحمته أنّ جعل هذه الأمّة من أهل القرآن، وقد رُوِي ذلك مرفوعًا عن أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «بكتاب الله، وبالإسلام».

ولا اختلاف بين التفسيرين كما حقّقه الإمام العلّامة ابن القيِّم في «إغاثة اللهفان في مصائد الشيطان» (1/48 ط. عطاءات العلم): «والتحقيق أنّ كلًّا منهما (القرآن والإسلام) فيه الوصفان الفضل والرَّحمة، وهما الأمران اللذان امتنّ الله بهما على رسوله، فقال: {وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان}، والله سبحانه إنّما رفع من رفع بالكتاب والإيمان، ووضع من وضع بعدمهما».

وروى الإمام ابن أبي حاتم في «تفسيره» عن أيفع بن عبد الكلاعيّ قال: «لمّا قَدِم خراجُ العراق إلى عمر رضي الله عنه، خرج عمر ومولى له، فجعل عمر يعُدُّ الإبلَ، فإذا هو أكثرُ من ذلك، فجعل عمر يقول: الحمد لله، ويقول مولاه: يا أمير المؤمنين، هذا – واللهِ – من فضل الله ورحمته، فقال عمر: كذبتَ، ليس هذا هو، يقول الله: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو مما تجمعون} وهذا مما تجمعون».

وحقٌّ على من أعطي فهمَ القرآن أن يُقدِّره حق قدره، ولا يُكثر التطلُّع إلى ما عند أرباب الأموال.

قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلّام في كتابه «فضائل القرآن» (صـ164) تحت باب «حامل القرآن وما يجب عليه أن يأخذ به من أدب القرآن»: «وحُكِي لي عن سفيان بن عيينة أنّه قال: «من أُعطِي القرآنَ فمدَّ عينيه إلى شيء مما صغَّر القرآنُ فقد خالف القرآنَ. ألم تسمع قوله سبحانه: {ولقد آتيناك سبعًا من المثاني والقرآن العظيم * لا تمدنّ عينيك إلى ما متّعنا به أزواجًا منهم}»».

وإنّ هذا القرآن العظيم أُنزل للإيمان به، ومن الإيمان به التجشُّم وبذل الجهد واستفراغ الطاقة في فهم معانيه كي يحصل التدبُّر الذي أمِرنا به، والامتثال بأوامره، والاجتناب عن مناهيه، والتحاكم إليه في جميع قضايا الأمّة، مع التعبُّد بتلاوته آناء الليل وأطراف النهار، ولا شكّ أنّ هذا يتطلَّب الجِدَّ في دراسة لغته وسائر ما يُعين فهمَه؛ إذ سوء الفهم عن الله تعالى أصل كلِّ بليّة.

فلا يُتصوّر من كلام الله تعالى الباطلُ، فقد نفاه عن ذلك في كتابه العزيز قائلًا: {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد}، كما برّأه من وصمة العوج بعبارة تُبعِد قليله وكثيره عن الخلل والنقصان، ولا يُعتقد في ظاهره البطلان والكفران، إنّما ذلك من سوء فهم المرء، {الحمد لله الذي أنزا على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا}.

قال الإمام القاضي ابن أبي العزّ الحنفيّ رحمه الله في «شرحه على العقيدة الطحاوية» (1/326-327): «ويجب أن يُعلم أنّ المعنى الفاسد الكفريّ ليس هو ظاهر النص ولا مقتضاه، وأنّ من فَهِم ذلك منه فهو لقصور فهمه، ونقص علمه، وإذا كان قد قيل في قول بعض الناس: وكم من عائب قولًا صحيحًا وآفته من الفهم السَّقيم وقيل: عليَّ نَحْتُ القوافي من أماكنها وما عليّ إذا لم تفهم البقر فكيف يُقال في قول الله الذي هو أصدق الكلام وأحسن الحديث وهو الكتاب الذي: {أحكمت آياته ثم فصِّلت من لدن حكيم خبير}. إنّ حقيقة قولهم: إنّ ظاهر القرآن والحديث هو الكفر والضلال، وإنّه ليس فيه بيان لما يصلح من الاعتقاد، ولا فيه بيان التوحيد والتنزيه، هذا حقيقة قول المتأوِّلين» انتهى.

والمصيبة العظمى، والبليّة الكبرى أن يُعتقد أنّ هذا القرآن الذي أكثر الله تعالى فيه نعوته الجليلة لا يَفِي الهداية إلى الاعتقاد الصحيح، وأنّ دونه الحواجز المانعة من ذلك، وهذا ما أملاه إبليس على قلوب بعض من وُسِم بالعلم فضلًا عن غيرهم.

قال الرَّازيّ في «تفسيره» عند قول الله تعالى: {هدى للمتّقين}: «ليس من شرط كونه هدى أن يكون هدى في كلِّ شيء، بل يكفي فيه أن يكون هدى في بعض الأشياء، وذلك بأن يكون هدى في تعريف الشرائع، أو يكون هدى في تأكيد ما في العقول».

وقال في «تفسيره» عند قول الله تعالى: {إنّ الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم}: «إنّ التمسُّك بالدلائل اللفظيّة لا يُفيد اليقين، والدلائل العقليّة تُفيد اليقين، والمظنون لا يُعارِض المقطوع. وإنّما قلنا: إنّ الدلائل اللفظيّة لا تفيد اليقين؛ لأنّ الدلائل اللفظيّة مبنيَّةٌ على أصول كلِّها ظنِّيّة، والمبنيُّ على الظنِّيّ طنِّيٌّ، وإنّما قلنا: إنّها مبنيّة على أصول ظنِّيّة؛ لأنّها مبنيّةٌ على نقل اللغات، ونقل النحو، والتصريف، ورواة هذه الأشياء لا يُعلم بلوغهم إلى حدِّ التواتر، فكانت روايتهم مظنونةً، وأيضًا فهي مبنيَّةٌ على عدم الاشتراك، وعدم المجاز، وعدم التخصيص، وعدم الإضمار بالزيادة والنقصان، وعدم التقديم والتأخير، وكلُّ ذلك أمور ظنِّيّة، وأيضًا فهي مبنيَّةٌ على عدم المعارض العقليِّ؛ فإنّه بتقدير وجوده لا يُمكن القولُ بصدقهما ولا بكذبهما معًا، ولا يُمكن ترجيح النقل على العقل؛ لأنّ العقل أصل النقل، والطعن في العقل يوجب الطعن في العقل والنقل معًا، لكن عدم المعارض العقليّ مظنون، هذا إذا لم يوجد فكيف وقد وجدنا هاهنا دلائل عقليّة على خلاف هذه الظواهر، فثبت أنّ دلالة هذه الدلائل النقليّة ظنِّيّة، وأمّا أنّ الظنِّيّ لا يُعارِض اليقينيّ فلا شك فيه».

وقال مثل هذا في كتابه «معالم أصول الدِّين» (صـ 25).

وقال السيِّد شريف الجرجانيّ في «شرح المواقف لعضد الدِّين الإيجيّ» (1/209): «المقصد الثامن: (الدلائل النقليّة هل تفيد اليقين) بما يُستدلُّ بها عليه من المطالب أو لا (قيل: لا) تفيد، وهو مذهب المعتزلة، وجمهور الأشاعرة؛ (لتوقُّفِه) أي توقُّف كونها مفيدة لليقين (على العلم بالوضع) أي وضع الألفاظ المنقولة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بإزاء معان مخصوصة، (والإرادة) أي وعلى العلم بأنّ تلك المعاني مرادةٌ له، (والأول) وهو العلم بالوضع (إنّما بُنِيت بنقل اللغة) حتى يتعيّن مدلولات جواهر الألفاظ، (و) نقل (النحو) حتى يُتحقق مدلولات الهيئآت التركيبيّة (و) نقل (الصرف) حتى يُعرف مدلولات هيئآت المفردات (وأصولها) أي أصول هذه العلوم الثلاثة (ثبتت برواية الآحاد)؛ لأنّ مرجعها إلى أشعار العرب، وأمثالها، وأقوالها التي يرويها عنهم آحاد من الناس كالأصمعيّ، والخليل، وسيبويه، وعلى تقدير صحة الرِّواية يجوز الخطأ من العرب؛ فإنّ امرأ القيس قد خطئ في مواضع عديدة مع كونه من أكابر شعراء الجاهليّة، (وفروعُها) تثبُت (بالأقيسة وكلاهما) يعني رواية الآحاد والقياس دليلان (ظنِّيّان) بلا شبهة، (والثاني) وهو العلم بالإرادة (يتوقف على عدم النقل) أي نقل تلك الألفاظ عن معانيها المخصوصة التي كانت موضوعة بإزائها في زمن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى معان أخرى؛ إذ على تقدير النقل يكون المراد بها تلك المعاني الأولى لا المعاني الأخرى التي نفهمها الآن منها (و) عدم (المجاز)؛ إذ على تقدير التجوُّز يكون المراد المعنى المجازيّ لا الحقيقيّ الذي بادر إلى الأذهانن (و) عدم (الإضمار)؛ إذ لو أُضمِر في الكلام شيء تغيّر معناه عن حاله، (و) عدم (التخصيص) ... » إلى أن قال: (ثم بعد) هذين (الأمرين) أعني العلم بالوضع، والعلم بالإرادة (لا بدّ من العلم بعدم المعارض العقليّ) الدالّ على نقيض ما دلّ عليه الدليل النقليّ؛ (إذ لو وُجِد) ذلك المعارض (لقُدِّم على الدليل النقليّ قطعًا) بأن يُؤوَّل الدليل النقليّ عن معناه إلى معنى آخر، مثاله: {الرحمن على العرش استوى} فإنّه يدلُّ على الجلوس، وقد عارضه الدليل العقليّ الدال على استحالة الجلوس في حقّه تعالى، فيأوَّل الاستواء بالاستيلاء» انتهى كلامه.

وأنَّى لمن تربّى على هذه الوساوس الهدايةُ، حيث فرّ من معدِن الهدى، وأخلد إلى مورد الرَّدى.

ثمّ إنّ سوء الفهم عن الله تعالى ورسوله أصل كلِّ بدعة وضلالة.

قال الإمام ابن القيِّم في كتابه «الرّوح» (1/183-184): «الأمر الثاني: أن يُفهم عن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم مرادُه من غير غلو ولا تقصير، فلا يُحمل كلامُه ما لا يحتمله، ولا يُقصَّر به عن مراده وما قصده من الهدى والبيان. وقد حصل بإهمال ذلك والعدول عنه من الضلال والعدول عن الصواب ما لا يعلمه إلا الله، بل سوء الفهم عن الله ورسوله أصلُ كلِّ بدعة وضلالة نشأت في الإسلام، بل هو أصل كلِّ خطأ في الأصول والفروع، لا سيما إن أضيف إليه سوء القصد، فيتَّفِق سوء الفهم في بعض الأشياء من المتبوع مع حسن قصده، وسوء القصد من التابع، فيا محنة الدِّين وأهله، والله المستعان».

ولا أذهب بك بعيدًا أيُّها القارئ، ترى بأمِّ عينيك أنّ أعداء الدِّين يبذلون قصارى جهدهم في فتح باب التلاعب بتفسير وتوجيه النصوص بحجّة الحرِّيّة في القول، حتى إنّهم يُقنعون العوامَّ بإدلاء دلوهم في هذا الميدان؛ ليتَّسِع الفتقُ على الرَّاقع، ولتطير الأهواء كلَّ مطار، وذلك كلُّه يقع في حين أنهم قد أنشؤوا لمؤسَّساتهم القانونيّة مراجع تختصُّ بحقّ ترجمة القانون، أفيقوا أيُّها المسلمون، وافهموا مراد الشارع من معادنه العلميّة.

عرضًا لخطورة تفسير القرآن بغير علم، وبهوى النفس نقول:

قال الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد البر رحمه الله في كتابه «جامع بيان العلم وفضله» (2/1199): «أهل البدع أجمعُ أضربوا عن السُّنة، وتأوّلوا الكتاب على غير ما بيَّنت السُّنة فضلّوا وأضلّوا، ونعوذ بالله من الخِذلان ، ونسأله التوفيق والعصمة برحمته ، وقد روي عن النّبي صلى الله عليه وآله وسلم التحذير عن ذلك في غير ما أثر منها ما - وساق سنده إلى عقبة بن عامر الجهني قال - سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : «هلاك أمتي في الكتاب واللبن ، فقيل :يا رسول الله ما الكتاب واللبن؟ قال : يتعلمون القرآن ويتأوَّلونه على غير ما أنزله الله عز وجل ، ويحبُّون اللَّبن، فيدَعون الجماعات والجمع ويُبدون». قلت: رواه أحمد في المسند (١٧٤١٥) وسنده حسن. ثم قال ابن عبد البر : وقال صلى الله عليه وسلم : «أخوف ما أخاف على أمّتي منافق عليم اللسان يجادل بالقرآن». قلت: أخرجه ابن حبان في «صحيحه» . ثم ذكر عن عمر رضي الله عنه : «إنما أخاف عليكم رجلين : رجل تأوّل القرآن على غير تأويله ، ورجل ينافس الملك على أخيه».

ومما يتحتّم الاعتناءُ به الاستغناءُ بالقرآن في تحصيل العلم والإيمان، وأن لا ننشغل عنه بغيره.

قال الإمام الحافظ ابن رجب رحمه الله في «الاستغناء بالقرآن في تحصيل العلم والإيمان» (7/57 ضمن مجموعة رسائل ابن رجب. ط.دار اللباب): «وقد ورد النهي عن الاشتغال بغير القرآن على وجهين آخرين: (أحدُهما): أن يشتغل عن القرآن بالسُّنّة وغيرها من العلوم الشرعيّة حتى ينسى القرآن، أو يترك تدبُّرَه وتفهُّمَه، والوقوف على معانيه، وما تضمّنه من العلوم والحِكَم، فهذا مذموم، كما أنّ الاشتغال بالقرآن والوقوف مع تفسيره بالرأي والإعراضَ عن السُّنّة، وتفسير الصحابة وسلف الأمّة مذموم. والمحمود هو الاهتمام بالقرآن، والوقوف على معانيه وأسراره، وتطلُّبُ ذلك من الحديث والآثار، وهذا سبيل علماء الصحابة من المهاجرين والأنصار، ومن حذا حذوهم من سلف الأمّة والأئمّة الكبار».

ثم ساق ما رواه الإمام أبو خيثمة زهير بن حرب في «كتاب العلم» له (143) بسنده عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: «ألا أخبركم بالفقيه حقّ الفقيه الذي لا يُقنِّط الناسَ من رحمة الله، ولا يُرخِّص لهم في معاصي الله، ولا يدع القرآن رغبةً إلى غيره».

ثم قال: «الوجه الثاني: أن يشتغل عن القرآن بما لا يجوز الاشتغال به من الكتب المنسوخة المُبَدَّلَة، أو الآراء المُحْدّثّة المُضِلَّة. وهذا لا ريب في تحريمه وقُبْحِه، ولصاحبه نصيب من حال الذين أخبر الله عنهم بقوله: {نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنّهم لا يعلمون * واتّبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكنّ الشياطين كفروا يُعلِّمون الناس السِّحر}».

ثمّ روى الحديث الذي رواه أبو داود في «السُّنن» (4611) في كتاب السُّنّة عن معاذ رضي الله عنه: «إنّ من ورائكم فتنًا يكثُر فيها المالُ، ويُفتح فيها القرآن حتى يأخذه المؤمن والمنافق، والرَّجل والمرأة، والصّغير والكبير، والحرُّ والعبدُ، فيوشك قائلًا أن يقول: ما للناس لا يتّبعوني وقد قرأتُ القرآن؟ ماهم متَّبعيّ حتى أبتدع لهم غيرَه، فإيّاكم وما ابتُدِع، فإنّ ما ابتُدِع ضلالة، وأُنذِرُكم زيغة الحكيم، فإنّ الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق».

ويجب أن نحيط علمًا بأنّ القرآن يُصدِّق بعضُه بعضًا، فضرب بعضه بعضًا سلوكٌ لطريق من لا حظّ له فيه.

روى الإمام أبو داود في «السُّنن» (٤٦٠٣) من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : «المراء بالقرآن كفر».

وروى الآجرّي في «الشريعة» (١٤٣) بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قومًا يتدارؤون في القرآن فقال : «إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتابَ الله بعضَه ببعض، وإنما كتاب الله يُصدِّق بعضُه بعضًا، فلا تُكذِّبوا بعضَه ببعض ، فما علمتم منه فقولوا به، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه».

وما رأينا في كتاب الله مما ظاهره التعارض نطلب وجهه من أئمة الرواية والدِّراية ممن مضى من الصحابة والتابعين وتابعيهم والفقهاء الموثوق بهم في دينهم، ممن له لسان صدق في الأمة .

قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»، في شرح حديث (٥٠٦١) : «وفِي هذا الحديث والذي قبله الحضّ على الجماعة والألفة ، والتحذير من الفرقة والاختلاف ، والنهي عن المراء في القرآن بغير حق ، ومن شرِّ ذلك أن تظهر دلالة الآية على شيء يخالف الرّأي ، فيُتوسّل بالنظر وتدقيقه إلى تأويلها وحملها على ذلك الرّأي ، ويقع اللّجاج في ذلك والمناضلة عليه».

وفي الختام نُعوِّد أنفسنا بالتعاهد مع القرآن تلاوةً، وفهمًا، وتدبُّرً، وعملًا، وتحاكمًا إليه، مع النظر في العلوم التي تُسهِّلنا على فهمه من علوم اللغة العربيّة، ودراية السُّنّة النبويّة، مع المطالعة على أقاويل الصحابة، والأئمّة الفقهاء، وعلينا أن نُنَحِّي العوائق والحواجز التي تَحُوْل بيننا وبين القرآن؛ لنمتثل بقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن».

قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلّام في «كتاب فضائل القرآن» (صـ 284-285): «قوله: «من لم يتغنّ» هو الاستغناء والتعفُّف عن مسألة الناس واستئكالهم بالقرآن، وأن يكون في نفسه بحمله القرآن غنيًّا، وإن كان من المال مُعدِمًا».

وللحديث معنى آخر مشهور عند العلماء.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.

وصلّى الله وسلّم على نبيِّنا محمّد وآله وأصحابه أجمعين

وكتبه: أحمد بن محمود بن محمّد بعد عضر يوم الخميس، التاسع والعشرين من شهر جمادى الأولى 1447هـ

Comments

Comments feature coming soon. Share your thoughts on this article!

Article Details

الشيخ أحمد محمود محمد (الشيخ أحمد يري)
Author
الشيخ أحمد محمود محمد (الشيخ أحمد يري)
Published
Friday, November 21, 2025
Category
Reminder
Language
العربية