خاطرة في الجود والأمانة في القرآن
يَخطُرُ ببالي حين أقرأُ قولَ اللهِ تعالى عن نبيِّه ﷺ: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾، ﴿بِظَنِينٍ﴾؛ فأرى بمجموعِ القراءتين أن اللهَ نفى عن نبيِّه ﷺ أمرين عظيمين:
- البخلَ بالوحي.
- والاتّهامَ فيه.
فأقولُ في نفسي: وهكذا ينبغي أن يكون كلُّ مُقرِئٍ ومُعلِّمٍ للقرآن؛ ألا يَبخَلَ بالقرآن: إقرَاءً لآيه، ونشرًا لِبُحوثه، ونقلاً لأسانيده العالية إلى طلابه، وإجابةً إلى مُلتمسِ التعلّم منه.
والثاني: أن يكون أمينًا في تعليمه، فلا يَخون الأمانة، ولا يَغُشّ الطالب، ولا يدّعي أسانيد ليست له، ولا يتقوّل على مشايخه ما لم يعلّموه، ولا يُجامِل أحدًا على حساب الحقّ، وأن يقفَ عند جهله فيقول عمّا جهِله أو نسيه من العلم: لا يَحضُرني شيءٌ الآن، ونبحث فيه… ونحو ذلك.
- وهذان الأمران المنفيّان في الآية عن المعصوم ﷺ جمعتهما في قولي:
ما ضنَّ بالغيبِ بِظًا والضَّادِ ★ أدِّ أمانةً، ورَوِّ الصّادِي
- «بِظًّا والضّاد» على القراءتين.
- «أدِّ أمانةً» على قراءة الظاء في نفي التهمة.
- «ورَوِّ الصّادي» على قراءة الضاد؛ ففيه الجودُ بالقرآن، والصّادي: شديدُ العطَش. فاللهمَّ باركْ لنا في هذا القرآن، وأعِنَّا على الجودِ به، وأداءِ الأمانة فيه.
##خاطرة حول قلة تراجع المفتي عن خطئه
ذكر الأصوليون أن العالِم إذا غير اجتهاده في حادثة ما وجب عليه إعلام المستفتي برجوعه كي لا يعمل به المقلد فيما بعد.. وإلا أثم
- قال السيوطي في الكوكب الساطع:
ومن تغير اجتهاده وجب ★ إعلامُ مستفتٍ به كيما انقلب
على أن الناظر إلى حال بعض المشايخ اليوم يجدهم يغيرون اجتهاداتهم ثم لا يصرحون بالرجوع،فيقع المقلدون في شرّ حال، ويرمى الشيخ بالتناقض ولا يبالي، حتى إنك لا تكاد تثق له على قول، فما يتبناه في كتاب ينقضه في فتوى،والعكس أيضا.. ويبقى أتباعه ما بين حائر ومتعصب على غير هدى.
على أن هذا المسلك عام في كل فن،فينبغي على كل متخصص في أي فن إن بدا له يوم ما خلاف رأيه السابق أن يصرح بذلك لطلابه ومتابعيه،وألا يحاول أن يوفق بين قوله السابق واللاحق ويتكلف لذلك.
وما أحسن قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين نوقش في شيء تراجع عنه فقال بكل أريحية: «ذاك على ماقضينا قبل، وهذا على ما نقضي اليوم»!

