Back to Articles
محتفلات الـمواليد بين اليوم الحاضر والأمس البائد
Reminder
العربية

محتفلات الـمواليد بين اليوم الحاضر والأمس البائد

مقالة تسلط الضوء على مظاهر الانحراف في بعض احتفالات المولد النبوي.

الحمد لله الذي منّ على الإنسان بالمَيْز عن سائر الحيوانات بالعقل والإدراك، ويسّر لهم القيد للمعارف خوفًا من الانفلات والنسيان، فعلّمهم بالقلم؛ ليُخلدوا به الوقائع والحوادث. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله. وصلّى الله وسلّم على سيِّدنا وحبيبنا محمّد وآله وأصحابه أجمعين.

أمّا بعدُ: فإنّ علماء المسلمين بذلوا طاقاتهم العظيمة، وصرفوا أوقاتهم النفيسة تجاه تدوين الحوادث، وتراجم أرباب الزمان؛ ليستفيد الآخِر، وليكون نبيهًا أمام الوقائع، وليحظى بها عبرةً في الحوادث، كيف، وقد قصّ المولى عزّ وجلّ في كتابه علينا أحسن القصص؛ لتكون عبرةً لأولي الألباب، ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: 111]، ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: 120].

وقد فصّل الله آياته لتستبين طرق أهل الفساد والإجرام والفجور حتى لا تغترّ بزخارفهم العوام الطغام، ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: 55].

ومما يُؤسَف له تلكُّؤ طلبة العلم عن قراءة مصنَّفات التاريخ التي دُوِّنت فيها الحوادث من مظانِّها، مع الجري على توجيهات الأئمّة الموثوق بعلومهم وأماناتهم.

وقد وقعت - وإنِّي أطالع بعض مؤلَّفات التاريخ - على حادثٍ جللٍ، تشمئز منه قلوبُ أهل الإيمان، وتنفر منه فطرُ أهل الإسلام، وهي أن يُعظّم ويُحتفل النبيّ ﷺ الذي طمس الله تعالى به الجاهليّة باقتراف الفواحش، وانتهاك الحرمات، وقد رأينا بأمّ أعيننا قبل أيّام قليلة مضت الاختلاط بين الرِّجال والنساء الأجانب، وضرب المعازف، والكلمات النابيات، وقد عَرَّفَنَا التاريخُ والوقائعُ المُدوّنة أنّ هذه ليست وليدة اليوم، بل كان الأمر سوءًا منذ قرون في كثير من المحتَفَلات.

  • وهاك حادثةً مؤلمة في ذلك:

قال الإمام العلّامة أبو العباس، تقي الدِّين، أحمد بن علي بن عبد القادر المقريزيّ رحمه الله في كتابه «درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المُفيدة» (1/413) في ترجمة إسماعيل بن يوسف الأنبابيّ:

بوه أحدَ الفقراء السُّطوحيّة، وله سمعة وشهرة بناحية أنبوبة، من برِّ الجِيزة غربي القاهرة، وله بها زاوية، فنشأ إسماعيل واشتغل بالفقه على مذهب الشافعيّ، رحمة الله عليه، وأقبل الناس لزيارته بعد موت أبيه، وتبرّكوا به، وصار يعمل المولد النبويّ في كلِّ سنة، فينتابُه الناسُ من الأقطار، ويُرحل إليه من الأطراف، ويخرج بياضُ أهل مصر والقاهرة إليه، وتُضرب بظاهر زاويته الخيم، ويُعقد سوق، ويَجتمع من النسوان والشبّان خلق كثير، فأذكر أنّه عمل المولد على عادته في شهر ربيعٍ الأوّل من سنة تسعين وسبعمائة، فهرع الناس لحضور المجتمَع حتى غصَّ الفضاءُ بكثرة العالَم، وتنوّعوا تلك الليلة في الفسوق لكثرة اختلاط النسوان والمردان بأهل الخلاعة، فتواتر الخبرُ أنّه وُجِد في صبيحة تلك الليلة من جرار الخمر التي شُرِبت بالليل فوق الخمسين فارغةً ملقاةً حول الزاوية في المزارع، وافتُضَّت (في المطبوع: واقتضت) تلك الليلة عدّةُ أبكار، وأوقِدت شموعٌ بمالٍ كثيرٍ، فبعث الله يوم الأحد بكرةً، صباح ليلة المولد المذكور قاصفًا من الرِّيح كدّرت على من كان هناك، وسَفَت في وجوههم الترابَ، واقتلعت الخِيَم، ولم يقدر أحدٌ على ركوب النِّيل، ولم يُعَد يُعمل بعدها مولد؛ فإنّ الشيخ مات آخر شعبان سنة تسعين وسبعمائة، ودُفِن بزاويته. وقد اجتمعتُ به فلم أر فيه ما يقتضي الذَّمَّ ولا المدحَ سوى أنّه كان يمُدُّ يدَه لمن يأتيه حتى يُقبِّلَها، وظهر لي منه أنّه حريصٌ على الرِّياسة، غقر الله له» انتهى.

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتابه «إنباء الغُمر بأبناء العمر» (1/350-351) في حوادث سنة تسعين وسبعمائة: «وفيه هبّت ريحٌ عظيمةٌ وترابٌ شديد إلى أن كاد يُعمِي المارّةَ في الطرقات وكان ذلك صبيحة المولد الذي يعمله الشيخ إسماعيل بن يوسف الأنبابيّ، فيجتمع فيه من الخلق من لا يُحصى عددُهم بحيث إنه وُجِد في صبيحته مائةٌ وخمسون جرّةً من جرار الخمر فارغات، هذا إلى ما كان في تلك الليلة من الفساد من الزِّنا واللِّواط والتجاهر بذلك، فأمر الشيخُ إسماعيل بإبطال المولد بعد ذلك فيما يُقال، ومات في سلخ شعبان» انتهى. وقال الحافظ أيضًا في «الدرر الكامنة» (1/457): «إسماعيل بن يوسف بن محمّد الأنبابيّ كان شيخ الزاوية التي لوالده بأنبابة من بحري الجزيرة، وكان حسنَ الطريقة منقطعًا بالزاوية، يشغل بالعلم ويُفيد، ولكن كانت المواليد تُعمل عنده فيقع هناك من القبائح ما لا يُحتمل، وكان على قاعدة السطوحيّة المنسوبين للشيخ أحمد الطنتدانيّ المعروف بالبدويّ، مات في شعبان سنة 790» انتهى.

  • قلت: في هذه عبرة لمن يعتبر، ومزدجر لمن ينزجر، فكيف يجترئ على تلك الفواحش والرّذائل من يدّعي محبّة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وخصوصًا كيف يحدُث في المكان الذي يُحتفل ويُعظِّم فيه، فهل مثل هؤلاء يُعظِّمون شعائر الله تعالى. وهناك أمرٌ آخر ينبغي التنبُّه له وهو انّ الشيخ المُترجم له نشأ في العلم والفقه، ولم يكن يحصل له مثلُ هذا التعظيم والتبجيل من هؤلاء السفهاء والعوام، فلمّا أن تربَّع على عرش الزاوية وصار خليفة للطريقة حصل ما حصل، أين العلم والفقه من الزاوية!.

ويذكّرني ما كان يحدثُ في مَزَارِ «أَوْعُسْمَانْكَ» في مدينة «مَرْكَة» من خروج العواتق تلك الليالي من خدورهنّ، وإقبال الشبّان والفتيات من كل صوبٍ وحدبٍ قضاءً لشهوتهم وإشباعًا لوطرهم، هذا منغرق بالفاحشة، وذا في الغناء والمعازف، وشيوخ الزاوايا والتَّكيّات على مرئى من ذلك يتمايلون ويرقصون تقربًا إلى الله - على حدّ زعمهم -، فأي الفريقين ياترى أسوأ حالًا؟

وأمر هذا المزار مستفيض مشهور في الصومال، حتى إن أهل الفسق والفجور ينتابونه من بُعْدٍ.

ومثل هذا الذي دفع كثيرًا ممن تفقّه إلى الزاوية والطريقة؛ لما فيها من الرياسة، ويحمل على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نسأل الله الصون والسلامة.

وصلّى الله وسلّم على بنيِّنا محمّد وآله وأصحابه أجمعين.

Comments

Comments feature coming soon. Share your thoughts on this article!

Article Details

Published
Friday, October 24, 2025
Category
Reminder
Language
العربية