Back to Articles
وأتوا الحكمة من أبوابها
News
ar

وأتوا الحكمة من أبوابها

... فلا دواء لهذه الأمراض الفتَّاكة إلا الانكباب على الكتاب والسنة وفهمهما على فهم القرون المشهود لهم بالخير والفضل...

الحمد لله ولي التوفيق، حبَّب إلى من اجتباهم الإيمان، وزيَّنه في قلوبهم وكرَّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وشرح صدورهم للقرآن؛ فجعلهم معادن للحكمة، وأصبحوا بذلك مفاتيح للخير، ومغاليق للشر.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، {يُؤۡتِي ٱلۡحِكۡمَةَ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَيۡرٗا كَثِيرٗاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ} [البقرة: 269].

وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله، آتاه الله جوامع الكلم، وخصَّه ببدائع الحكم، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه.

أما بعد:

فإن الله - عز وجل - فضَّل الإنسان بالعقل، وأنعم عليه بالوحي، وأتمَّ عليه آلالات الإدراك، لتسقيم أقواله، وتسير على القسطاس المستقيم أفعاله وأحوله.

والناس يوزنون بأقوالهم وأعمالهم، والأقوال نتائج الأفكار، والأعمال آثار الأخلاق، وذلك كلُّه متوقف على تطهير القلوب من الأهواء المضلَّة، والتصوُّرات الباطلة، والإرادات الفاسدة.

وإذا استحوذت على القلوب الأهواء والخرافات والأفكار الدنسة ساءت الأقوال والأفعال، واضطربت المواقف.

فلا دواء لهذه الأمراض الفتَّاكة إلا الانكباب على الكتاب والسنة وفهمهما على فهم القرون المشهود لهم بالخير والفضل.

ومن تدبَّر الله كتاب الله تعالي وتضلَّع من سنَّة النبيِّ ﷺ، واعتبر بأحوال الماضين، واستفاد من تجارب أهل الحنكة تدفقت من قلبه الحكمة، وتناثرت من لسانه الفوائد والدرر، وقد كان الصدر الأول من هذه الأمة من الصحابة والتابعين ومن سار على دربهم مثالًا رائعًا في هذا المجال، فكان كلامهم حكمة، وأفعالهم عظة، وتصرفاتهم عبرة، وكان من أقولهم وأحوالهم ما يكون نبراسًا لمن طلب الهدى، ومصباحا لمن تاه في ظلمات الجهل والهوى.

ولكن لما طال الأمد على الناس، وقلَّ العلم، وانتشر الجهل، واستحكمت الأهواء = أُعجب كل ذي رأي برأيه، وأخذ القلم من لا يميِّز بين الشحم والورم، ويتكلم في الدين وقضايا الأمة من كان من حقِّه أن يتعلَّم في الكتاتيب بدل أن يقوم على المنابر وفي المحاريب.

وممَّا يزيد الطين بلَّة والمرض علة أن ترى هذا الإنسان الذي لا يستطيع تصور أسهل المسائل يتطاول على أهل الفضائل، ويتشدَّق في لمزهم والطعن فيهم.

حتَّى إنّك لتقضي عجبًا من خامل لم يدخل حظيرة العلم يقع في المشاهير الأعلام، ولا يردعه المشايخ الذين ينتسب إليهم – وما بلغوا معشار ما أوتي أولئك الأعلام - عن هذه الورطة، فلو تُعرِّض بالنقد أو التحطئة في مسألة علميَّة لأحد منهم أو لأحد ممن يتعاطونه من العلماء حاصوا حيصة الحمر المستنفرة التي فرت من قسورة.

والفيصل بين علماء الآخرة وعلماء الدنيا: أنَّ علماء الآخرة ربَّانيون بما يعلِّمون الكتاب وبما يدرسون، ناصحون لله ولكتابه ولخلقه، آمرون بالمعرف وناهون عن المنكر، حافظون لحدود الله تعالى، فهم مصابيح الدُّجى، ونجوم الهدى. أنسهم شفاء، وإلفهم رخاء.

وعلماء الدنيا سماسرة لترويج الآراء، ويحرصون على الدفاع عن مصالح الأشخاص والأحزاب، يخاصمون للخلق دون الحقِّ.

وإذا ترعرع طالب العلم في أوساط هؤلاء وعاش في كنفهم لا يستزيد علمًا ولا يرث حكمة ولو عُمِّر عمر نوح، وفاقد الشيء لا يعطي، ويلهي صاحبه بما لا يجدي، وحذار حذار ممَّن هذه صفته، فلا نفع في صحبته.

ومن يكن الغراب له دليلا * * * يمرُّ به على جيف الكلابِ

وما كلُّ ذي نُصح بمؤتيك نُصحه * * * وما كلُّ مُؤتٍ نُصحَه بلبيبِ

ومن نجَّاه الله تعالى من هذه اللُّجج ووقاه الفتن الجارفة، وحصَّنه بالعفة، وألهمه بالحكمة فليحمد الله تعالى وليشكره على تلك النِّعمة.

اللَّهم انفعنا بما علَّمتنا وعلِّمنا بما ينفعنا وزدنا علما.

وصلَّى وسلَّم على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه.

كتبت هذا المقال ليلة السبت 19-11-1446 الموافق 16-05-2025

Comments

Comments feature coming soon. Share your thoughts on this article!

Article Details

عبد الحميد أبوبكر عبد الله
Author
عبد الحميد أبوبكر عبد الله
Published
Thursday, February 26, 2026
Category
News
Language
ar